محمد خليل المرادي
248
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
عيون المها بين الرصافة والجسر * جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري أعدن لي الشوق القديم ولم أكن * سلوت ولكن زدت جمرا على جمر وللمترجم غير ذلك . وكانت وفاته بدمشق سنة سبع وثمانين ومائة وألف . ودفن بالباب الصغير . رحمه اللّه تعالى . صالح الحلبي - 1178 ه صالح بن مصطفى الشريف الحلبيّ ، أعجوبة الزمان ونادرة الأوان . دعواه أكبر من معناه . كان يلقّب بالعشري . ولد في أوائل هذا القرن ، وحفظ القرآن العظيم والشاطبية والرائيّة . وكان يجمع للعشرة . فلقّب نفسه بالعشري لذلك . وكان يحفظ أشياء كثيرة . وله معرفة بالموسيقا ، وينظم الأشعار ويجاز عليها . وينظم في اللغات الثلاث . وربّما نظم باللغة الكرديّة والعبرانية والرومية من غير فهم معانيها ، بل مجرّد كلمات متغايرات المعنى والمبنى . وكان في مشيه قزل « 1 » . وكان يتكسّب من شعره . فمن شعره ما كتبه مهنّئا المولى السيّد محمّد أفندي المعروف بطه زاده ، نقيب حلب ، بمولود ولد له بقوله : فطوبى لمن قد جاء بدّا وسيّدا * وحفّت له الأنجاب في الحال أيّدا يدوم بحفظ اللّه في طول عمره * على حسن أيّام الزمان مؤيّدا وابن الأفنديّ العظيم محمّد * شهير بطه الشيخ قل زاد أحمدا وهي عدّة أبيات ، وكلّها على هذا النمط . وكان المترجم يتّهم بكثرة المال ، وكذا والده . وكان يدّعي أنّه يعرف الكيمياء ، ويدّعي معرفة كلّ شيء ، وهو لا يحسن شيئا . ولمّا كان ثامن شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وسبعين ومائة وألف وجد في بيته داخل باب الأحمر الذي هو باب بالوج ميتا في قاعة خربة . فغسّل هناك ودفن ، وقد ناهز السبعين . ولم يوجد في بيته ما يساوي عشرة قروش . وقد وجد من توجّه من طريق المحكمة لأجل تحرير أسبابه زجاجة على رفّ القاعة ، ففضّوا ختمها فإذا بها ورقة بخطّ صاحب الترجمة ، وخطبة من إنشائه يقول فيها : « وبعد فهذا ما منّ اللّه به علينا وجمعناه ، وقصدنا صرفه في طريق الحجّ . ولكنّنا رصدناه بعد دفنه . وهو أنّ تحت الثلاثة الأحجار السود في الإيوان الشمالي كذا كذا ألف دينار بندقي ، وفي الصفّ الشرقيّ كذا كذا ألف دينار فندقلي ، وتحت المحل الفلاني كذا كذا سبيكة ذهب . كلّ ذلك دفين في الأرض لأجل النفقة في طريق الحجّ ، وكي لا يرثه أحد من ورثتي » .
--> ( 1 ) القزل : أسوأ العرج لذهاب لحم الساق .